لم تعد نتائج انتخابات ساكسونيا أنهالت مجرد خسارة محلية عابرة. ما حدث تحول إلى إنذار سياسي حقيقي في برلين، بعد صعود قوي لحزب البديل من أجل ألمانيا وتراجع حاد لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي. ومع اتساع القلق داخل الحزبين الحاكمين، يجد المستشار فريدريش ميرتس نفسه أمام واحدة من أصعب لحظات حكومته، وسط تساؤلات عن مستقبل قيادته وقدرة الائتلاف على الصمود.
دخل الائتلاف الحاكم في ألمانيا مرحلة جديدة من التوتر بعد النتائج القاسية لانتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، التي منحت حزب البديل من أجل ألمانيا تقدما كبيرا وألحقت خسارة ثقيلة بحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي.
وبحسب النتائج الأولية، تراجع الاتحاد المسيحي الديمقراطي من 37.1 في المئة إلى 17.2 في المئة، فيما حقق حزب البديل من أجل ألمانيا نتيجة قوية عززت موقعه كقوة سياسية رئيسية في شرق البلاد.
هذه النتيجة لم تبق محصورة داخل الولاية. تداعياتها وصلت مباشرة إلى برلين، حيث بدأت قيادة الاتحاد المسيحي الديمقراطي صباح الاثنين اجتماعات داخلية لمناقشة أسباب الخسارة ومستقبل الحزب، في وقت يواجه فيه المستشار فريدريش ميرتس ضغوطا متزايدة داخل صفوفه.
من المنتظر أن يظهر ميرتس أمام وسائل الإعلام بعد ظهر الاثنين إلى جانب مرشح الحزب في ساكسونيا أنهالت سفين شولتسه. وسيكون عليه تقديم تفسير واضح لما حدث، خصوصا بعد حملة انتخابية صعبة ظهر خلالها الغضب الشعبي من الحكومة الاتحادية بصورة واضحة.
الخسارة فتحت من جديد النقاش داخل الاتحاد المسيحي الديمقراطي حول قدرة ميرتس على قيادة الحزب في الاستحقاقات المقبلة. فالمشكلة لم تعد تتعلق بانتخابات ولاية واحدة فقط، بل بصورة الحزب على المستوى الاتحادي وقدرته على استعادة الناخبين الذين يتجه قسم منهم بصورة متزايدة نحو حزب البديل من أجل ألمانيا.
في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، تبدو الصورة أقل قسوة لكنها لا تبعث على الاطمئنان. الحزب حصل على نحو 9.3 في المئة، بزيادة محدودة مقارنة بنتيجته السابقة، لكنه بقي في مستوى ضعيف للغاية بالنسبة إلى حزب كان يقود الحكومة الألمانية قبل فترة قصيرة.
قيادة الحزب الاشتراكي تحاول تقديم النتيجة باعتبارها نجاحا نسبيا، خصوصا أن بعض الاستطلاعات كانت تتوقع احتمال خروجه من برلمان الولاية. لكن داخل الحزب بدأت خلافات واضحة حول الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بها الحكومة الاتحادية.
وتتركز الخلافات بشكل خاص حول ملف التقاعد والتأمين الصحي والرعاية الاجتماعية. عدد من قيادات الحزب يرى أن هذه الإصلاحات تحولت إلى عبء انتخابي، خصوصا في الولايات الشرقية التي تعاني منذ سنوات من شعور متزايد بالتهميش والقلق الاقتصادي.
إحدى أكثر القضايا حساسية هي مستقبل نظام التقاعد بعد 45 عاما من الاشتراكات. داخل الحزب الاشتراكي تزداد الأصوات الرافضة لأي تغيير يمس هذا النظام، ما قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع المستشار ميرتس والجناح المحافظ داخل الائتلاف.
المشكلة بالنسبة للحكومة الاتحادية أن كل طرف أصبح يخشى دفع ثمن سياسي أكبر في الانتخابات المقبلة. الاتحاد المسيحي يريد إظهار صورة أكثر حزما في ملفات الاقتصاد والهجرة والإصلاحات. في المقابل، يحاول الحزب الاشتراكي حماية قاعدته التقليدية ووقف مزيد من التراجع.
بهذا المعنى، فإن انتخابات ساكسونيا أنهالت لم تكن مجرد اختبار محلي. لقد كشفت حجم الأزمة التي تواجه الأحزاب التقليدية في ألمانيا، وخصوصا في شرق البلاد، حيث يواصل حزب البديل من أجل ألمانيا توسيع نفوذه مستفيدا من الغضب من الحكومة والقلق الاقتصادي وفقدان الثقة بالأحزاب الكبرى.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة إلى فريدريش ميرتس. فإما أن ينجح في إعادة ترتيب صفوف حزبه وتقديم خطاب سياسي جديد، أو أن تتحول نتيجة ساكسونيا أنهالت إلى بداية أزمة أوسع داخل الاتحاد المسيحي والائتلاف الحاكم بأكمله.
نبيل برس








